الشيخ حسن الجواهري
466
دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي
إليها تستطابُ لك الألوان وتُنقل إليك الجفان ، وما ظننتُ أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهُم مجفوُّ ، وغنيّهم مَدعو ، فانظر إلى ما تقضمُهُ من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفِظه ، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه . ألَا وإنَّ لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضئ بنور علمه ، ألَا وإنَّ إمامَكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ، ألَا وإنَّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد فواللَّه ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمرا ، ولا حُزتُ من أرضها شبرا ، ولا أخذتُ منه إلّاكقوتِ أتانٍ وَبرِةٍ « 1 » ولَهِيَ في عينيِ أوهى وأهون من عفصةٍ مَقِرَة « 2 » . بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلَّته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم اللَّه ، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانُّها في غدٍ جَدَث ، تنقطع في ظُلمته آثارها وتغيب أخبارها ، وحفرةٌ لو زيد في فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها لاضغطها الحجرُ والمدرُ وسدّ فُرجَها التراب المتراكم ، وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لِتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق . ولو شئتُ لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشّبع . أو أبيتُ مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائِلُ : وحسبك داءً أن تبيت ببطنةٍ * وحولك أكبادٌ تحِنُّ إلى القِدِّ أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا اشاركُهُم في مكاره الدهر أو أكون اسوةً لهم في جشوبة العيش ! فما خُلِقتُ ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همُّها علفها ، أو
--> ( 1 ) أتان وَبرة : هي التي عُقِر ظهرها فقلّ أكلها . ( 2 ) مَقِرة : أي مرّة .